عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

354

اللباب في علوم الكتاب

بالفصاحة ، وأعجز البلغاء والفصحاء ، وتحدّاه م « بأن يأتوا بمثله » و « بِعَشْرِ سُوَرٍ » و « بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » [ فقال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ] « 1 » وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] وقال : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] وقال في موضع آخر : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] كيف لا يدلّ ذلك على صحّة هذه اللّفظة ، وفصاحتها ، واستقامتها . والمشهور : أنه لا فرق بين التّهلكة ، والهلاك ، وقال قوم : التّهلكة : ما أمكن التحرّز منه ، والهلاك : ما لا يمكن التحرّز منه ، وقيل : هي نفس الشّيء المهلك ، وقيل : هي ما تضرّ عاقبته . فصل في اختلافهم في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة اختلفوا في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التّهلكة . فقال قوم : إنّه راجع إلى نفس النّفقة « 2 » . وقال آخرون : إنّه راجع إلى غيرها « 3 » ، فالأوّلون ذكروا وجوها : أحدها : قال ابن عبّاس ، وحذيفة ، وعطاء ، وعكرمة ، ومجاهد ، والجمهور ، وإليه ذهب البخاريّ - رضي اللّه عنهم - ولم يذكروا غيره : ألّا ينفقوا في مهمّات الجهاد أموالهم ؛ فيستولي العدوّ عليهم ، ويهلكهم ؛ فكأنّه قيل : إن كنت من رجال الدّين ، فأنفق مالك في سبيل اللّه ، وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال الدّنيا ، فأنفق مالك في دفع الهلاك ، والضّرر عن نفسك « 4 » . وثانيها : أنه تبارك وتعالى لمّا أمر بالإنفاق نهى عن نفقة جميع المال ؛ لأنّ إنفاق الجميع يفضي إلى التّهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول ، والمشروب ، والملبوس ، فيكون المراد منه ما ذكره في قوله سبحانه : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [ الفرقان : 67 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] . وقيل : الإلقاء في التّهلكة : هو السّفر إلى الجهاد بغير زاد ، نقله القرطبيّ عن زيد ابن أسلم « 5 » ، وقد فعل ذلك قوم ، فانقطعوا في الطّريق . وأما القائلون : بأنّ المراد منه غير النّفقة ، فذكروا وجوها : أحدها : أن يخلّوا بالجهاد ، فيتعرّضوا للهلاك الذي هو عذاب النار .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 116 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 116 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 116 . ( 5 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 242 .